فوزي آل سيف

301

رجال حول أهل البيت

ولمزيد من تسليط الضوء على شخصية هذا العالم العبقري نفتح صفحات من كتابه (العلل). لنرى فيه الخط الوسط الصحيح الذي تنهجه مدرسة أهل البيت عليه السلام في مسألة العقل، بين إفراط المعتزلة الذين حشروا (أنف) العقل في كل مكان، حتى كادوا أن يؤلهوه، ولم يمنعوه من- الدخول إلى أية أرض، فكان أن نتج عن ذلك مناهج في الفقه كالقياس والاستحسان وأمام هذه قال أهل البيت: إن دين الله لا يصاب بالعقول وبين تفريط الأشاعرة الذين اعتبروا العقيدة والشريعة (منطقة ممنوعة) على العقل، وحرموا عليه الدخول حتى إلى بيته، فكان أن نسبوا إلى الله ما يأباه لعباده، في العقيدة، وأن ابتلوا بالتناقض في تحليل الأخبار في الشريعة. فها هو الفضل بن شاذان يتحدث عن علل الشرائع وحكمها، إذ أوامر الشرع لما كانت صادرة عن الحكيم فلا يمكن أن تكون عن عبث، ولكن تارة يفهم العبد تلك الحكم وأخرى لا يصل عقله وجهده لها، وهنا لا يجوز له إنكارها أو عدم العمل بها لأنه لم يعرف تلك الحكم.. بل يرجع في ذلك إلى أهلها الراسخين في العلم الذين يعلمون التأويل من جدهم. فقد قال الفضل بن شاذان النيسابوري: إن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز أن يكلف الحكيم عبده فعلا من الأفاعيل لغير علّة ولا معنى؟ قيل له: لا يجوز ذلك لأنه حكيم غير عابث ولا جاهل. فإن قال: فأخبرني لم كلّف الخلق؟ قيل: لعلل. فإن قال: فأخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي أم غير معروفة ولا موجودة؟ قيل: بل هي معروفة وموجودة عند أهلها. فإن قال: أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها؟ قيل لهم: منها ما نعرفه، ومنها ما لا نعرفه.